علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

17

الصداقة والصديق

أمّا الأوساط الأدبية والعقلية التي شارك فيها والمجالس التي كان يحضرها ويدوّن محاضرها فمن الطبيعي أن يعنى بذكرها ، وأن يرسم للمشاركين فيها صورا أدبية طريفة : ففي مجلس الصّاحب « أصحاب الجدل الذين يشغبون ويحمقون ويتصايحون ، وهو فيما بينهم يصيح ويقول : قال شيخانا أبو علي وأبو هاشم ! » ، وفي مجلس الوزير البويهي ابن سعدان أدباء وندماء كثيرون مختلفو المذاهب والمشارب والطبائع أمثال : ابن زرعة الذي ليس منه « إلّا النّفج والتعظيم والتهويل بأرسطوطاليس وأفلاطون وسقراط وبقراط » ، وابن عبيد الذي « طرحه كلفه بالخطابة والبلاغة والرسائل والفصاحة في عمق لجّ لا مطمع في انتقاده منه » ، وابن الحجّاج « الذي جمع بين القاضي أبي عمر في جلسته وحديثه وقيامه وتخطئته مع حياء كأنه مستعار من الغانية الشريفة » ، وأبو الوفاء المهندس « ذو اللفظ الخراساني والإشارة الناقصة » ، ومسكويه الذي أفسده قال المهلبي « وسمعت المهلبي والذي لم يصلحه قال ابن العميد وفعل ابن العميد » . . إلخ . وتبدو في رسالة الصّداقة والصّديق بعض القضايا الفلسفية والأخلاقية التي كانت تشغل المفكرين والعلماء في ذلك العصر كإيمان الناس بالطّوالع والنّجوم ، وربط أعمال الإنسان وتصرفاته الدنيوية بحركات الأفلاك ، كما تبدو تلك النزعة الأخلاقية المثالية المرتكزة على الفضائل النفسية والسلوكية المعاكسة لتيارات الفساد والانحلال والتي تبنّاها المعتزلة والصّوفية ، وحدّدها الفيلسوف الفارابي في « المدينة الفاضلة » « والسياسة المدنية » من أن السعادة المثلى لا تتم إلّا في مدينة متديّنة ، ومجتمع فاضل يعيش فيه أهله متآخين متجاوبين في عواطفهم وفضائلهم على أن يقابل ذلك المدينة الجاهلة وهي التي انحدر أهلها في المعاصي والشرور ومتع الحياة الحسية المادية ، وكان الفارابي ، الذي جعل الأخلاق أساسا للسلوك ونادى